دور الخدمات الإلكترونية في مكافحة جريمة غسيل الأموال الباحث : عمر الايبوركي العلوي
[]
دور الخدمات الإلكترونية في مكافحة جريمة غسيل الأموال
The role of electronic services in combating money laundering
الباحث : عمر الايبوركي العلوي
باحث بسلك الدكتوراه جامعة محمد الخامس كلية الحقوق السويسي
هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

دور الخدمات الإلكترونية في مكافحة جريمة غسيل الأموال
The role of electronic services in combating money laundering
الباحث : عمر الايبوركي العلوي
باحث بسلك الدكتوراه جامعة محمد الخامس كلية الحقوق السويسي
ملخص
ان التقدم التكنولوجي ساهم بشكل كبير في انتشار العولمة حيث اصبحت جريمة غسل الاموال تتعدد اطرافها ويصعب التحكم فيها ، فهي جريمة عابرة للحدود و الأموال الناتجة عن هذه الجريمة أصبحت تستخدم في ارتشاء وإفساد الجهاز الإداري والسياسي والأمني والمؤسسات المالية، و من تم أضحى تجريم ظاهرة غسل الأموال ضرورة تشريعية ملحة الضمان حقيقة الأنشطة الاقتصادية الوطنية وتوفير الظروف الملائمة لجعل المناخ الاقتصادي أكثر نزاهة و ملائمة لمتطلبات الحياة التجارية و هذا ما أدى إلى تكاثف الجهود الدولية والوطنية من أجل وضع إطار تشريعي لهذه الجريمة، كالتشريع المغربي الذي عمل على إصدار القانون رقم 18-12 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، لتمكين بلادنا من ترسانة قانونية جديدة لمواجهة هذه الجرائم التي تهدد النظام العام الاقتصادي والمالي والسياسي والاجتماعي، وأيضا الوفاء بالتزاماتنا الدولية المترتبة عن مقتضيات الاتفاقية الأممية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
Abstract
Technological progress has significantly contributed to the spread of globalisation, making money laundering a multifaceted crime that is difficult to control. It is a cross-border crime, and the funds generated are used to bribe and corrupt administrative, political and security apparatuses, as well as financial institutions. Therefore, it has become an urgent legislative necessity to criminalise money laundering in order to ensure the integrity of national economic activities and create the appropriate conditions for a fairer and more transparent economic climate that meets the requirements of commercial life. This has led to intensified international and national efforts to establish a legislative framework for this crime. For example, Moroccan legislation issued Law No. 18-12 on Combating Money Laundering. This law provides our country with a new legal arsenal with which to combat crimes that threaten the economic, financial, political and social order. It also enables us to fulfil our international obligations under the United Nations Convention on Combating Money Laundering and the Financing of Terrorism.
مقدمة
تشكل الأموال عصب الإقتصاد الذي يعتبر عماد الحياة المعاصرة وأحد مقومات الأنظمة السياسية والاجتماعية السائدة في العالم، ويقاس رقي وتقدم الشعوب برقي وتقدم اقتصادها، ولا شك في أن سلامة الاقتصاد الوطني عامل أساسي في استقرار الحياة السياسية والاجتماعية، إذ يوفر التوازن بين الإمكانات والرغبات، مما يعطي للسياسة مفهومها الأصيل.
وتعتبر ظاهرة غسل الأموال، أخطر ظواهر عصر الاقتصاد الرقمي، باعتبار أنها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والأعمال وبالنظر لكونها ترتبط بأنشطة غير مشروعة وعمليات مشبوهة يتحقق منها دخول طائلة تؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي والعالمي.
وتشمل عمليات غسل الأموال مجموعة الأنشطة التي تتم بعيدا عن أجهزة الدولة القانونية، وهذه الأنشطة تمثل مصدرا للأموال الغير مشروعة، والتي يحاول أصحابها غسلها في مرحلة تالية وذلك بإجراء مجموعة من العمليات والتحويلات المالية والعينية على هذه الأموال لتغيير صفتها الغير المشروعة، وإدخالها ضمن نظام شرعي لإكسابها صفة المشروعية، وبذلك تهدف عمليات غسل الأموال إلى إخفاء مصادر أموال المجرمين وتحويلها بعد ذلك لتبدو كاستثمارات قانونية.
ولذلك سارع المشرع الوطني و الدولي بتجريم هذه الظاهرة، حيث صدرت اتفاقية فيينا عام 1988 في شأن مكافحة الاتجار بالمخدرات و الأموال المتحصل عنها واستخدامها في جريمة غسل الأموال، وكذلك صدر عن الأمم المتحدة القانون النموذجي عام 1995 في شأن مكافحة جريمة غسل الأموال، أما في ما يخص التشريع الوطني فقد صدر القانون رقم 12.18 المتعلق بمكافحة غسل الأموال والتعديلات المقترحة التي تمت في ظرف زمني جد قصير، بموجب ظهير 20 يناير 2011، وبموجب ظهير 02 ماي 2013، وبموجب ظهير 19 سبتمبر 2016، ومرد هذه التعديلات المتكررة هو حرص المشرع المغربي على الإسهام في الجهود الدولية المبذولة لمكافحة هذه الظاهرة الإجرامية الخطيرة.
لكي نكون أمام جريمة غسل الأموال بمفهوم قانون 12.18، لابد من استجماع الفعل المرتكب لمجموعة من الأركان، وعند استجماع هذه الأركان نكون بذلك إزاء ما يسمى بجريمة غسل الأموال، هذه الجريمة التي تتميز بمجموعة من المميزات والخصائص التي تميزها عن غيرها من الجرائم والأفعال المحظورة ، وبناء على ماسبق إ لى أي حد استطاع المشرع المغربي الإحاطة بجميع جوانب التشريعية المتعلقة بظاهرة غسيل الأموال من خلال قانون 12-18 ؟ وماهي المستجدات التي جاء بها ؟
لقد اهتم المشرع المغربي كغيره من التشريعات بجريمة غسل الأموال ونظمها من خلال قانون 43:05 المتعلق بجريمة غسل الأموال الذي تم تعديله وتحيينه بمقتضى قانون 12:18 من مجموعة القانون الجنائي الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.56 بتاريخ 27 شوال1442 الموافق 8 يونيو 2021 بالجريدة الرسمية 6995 بتاريخ 3 ذو القعدة 1442 الموافق ل 14 يونيو 2021، ووعيا منه بالخطورة التي تلعبها هذه الظاهرة على الإقتصاد الوطني وانعكاساتها على الأسواق المالية ومناخ الإستثمار واستقرار التوازنات المالية وما ينتج عنها من اختراقات في مجال الإقتصاد الوطني فقد بادر المشرع المغربي إلى وضع قوانين رذعية لمكافحة هذه الظاهرة وبذلك سنتطرق لأسباب الأساسية لبروز ظاهرة غسل الأموال (المطلب الأول ) ثم مراحل وتطور ظاهرة غسيل الأموال (المطلب الثاني)
للحديث عن الأسباب الأساسية لبروز ظاهرة غسيل الأموال فإنه يحب الإحاطة بجميع جوانبها الأساسية لأن هناك مجموعة من الأسباب أدت وبصفة مباشرة إلى تفشي هذه الظاهرة نتيجة أموال ناتجة عن جرائم سابقة أولية كالإتجار بالبشر آو المخدرات والمؤثرات العقلية والإختلاس والرشوة وغيرها، ومما زاد من استفحال هذه الظاهرة وانتشارها مجموعة من الأسباب سنتطرق إ ليها فيما يلي:
تعتبر الأساليب المالية من أهم الوسائل المصرفية لطرق غسل الأموال لأنها تستخدم لإضفاء الشرعية على المعاملات المالية التي تم الحصول عليها من مصدر غير مشروع، وهذه الأساليب تختلف حسب الطبيعة المصرفية ومن أهمها مايلي :
لا يوجد تعريف متفق عليه للعولة، ولكن توجد تعاريف كثيرة منها التعريف الذي قدمه الدكتور إسماعيل صبري عبد الله للعولمة على أنها: ذلك التداخل الواضح للشؤون الاقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية والسلوكية دون تآثير يذكر بالحدود السياسية للدول التي. السيادة الإنتماء فيها إلى وطن محدد أو دولة معينة ودون حاجة إلى إجراءات حكومية
كما يقصد بالعولمة الإقتصادية، اندماج أسواق العالم في حقول انتقال السلع والخدمات والرساميل والقوى العاملة ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق بحيث تصبح هذه الأسواق سواقا واحدة كالسوق القومية وتتم العولمة الاقتصادية خلال مرحلتين أساسيتين:
- نمو الأسواق المالية:
بعد إعادة إعمار أوروبا واليابان نحو نمو الاقتصاد الرأسمالي في المراكز وزيادة درجة تمركزه، ظهرت فرائض مالية ضخمة تبحث عن الإستثمار والتوظيف خارج حدودها الوطنية ،فكانت الإتحادات الرأسمالية الكبرى في فترة السبعينات ركودا في النمو الإقتصادي وارتفاعا متبارعا لمعادلات التضخم، فأخذت تتفاعل من ذلك الحين في العالم الرأسمالي المتقدم أزمة الركوب التضخمي، وبذلك دخل الاقتصاد العالمي عدم الإستقرار مع انهيار النظام النقدي الدولي ” نظام بريتون وودز ” ومع تقويم سعر صرف العملات ابتداء من عام 1973 مما أدى إلى إحداث تغيرات عميقة في البيئة التجارية العالمية .
ومنذ نهاية التسعينات تبنت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، وبعد ذلك باقي الدول الصناعية سياسات منظمة لتراجع تدخل الدولة، وتتمحور هذه السياسات المبادئ الكبرى التالية:
- حفض العبء الضريبي على أصحاب رؤوس الأموال والشركات؛
- تبني عمليات خصخصة لفتح مجالات جديدة زمام رؤوس الأموال؛
- تقليص البرامج الإجتماعية والنفاق العامة وإعادة النظر في مفهوم دولة الرفاة؛
- إزالة الحواجز أمام حركة رؤوس الأموال.
ولقد أدت الزيادة غير المسبوقة لدور النشاط المالي إلى بروز معالم يطلق عليه العولمة المالية والتي تعرف على آنها ” مجموعة العمليات المتتالية للربط بين الأسواق المالية على الصعيد الوطني والدولي المؤدية إلى إنشاء سوق مالية موحدة على المستوى الكوني.
- ثورة المعلومات والإتصالات:
أدت ثورة الاتصالات والمعلومات المالية إلى إحداث آسا ليب جديدة للعمل على إنتاج عجلة الأسواق وحركة النقود او الأموال على الصعيد الوطني والدولي، وقد أدت ثورة المعلومات والإتصال إلى ظهور ما يسمى بالتجارة الإلكترونية عبر شبكة الأنترنيت التي تنامي حجمها بوثيرة متسارعة خلال السنوات القليلة الماضية، وهكذا تحولت الأنترنيت تدريجيا إلى أداة تسويقية مهمة للسلع والخدمات في بلدان الرأسمالي المتقدم إذ تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن 15% من استخدامات الأنترنيت خلال عام 1996 كانت لأغراض الشراء والتسوق كما ساعد قضاء الاتصالات الإلكترونية أعلى خلق شبكة متنامية
لتحويل الأموال ويدور مداها على مدار اربعة وعشرين ساعة خاصة الأموال قصيرة الأجل لتجوب أرجاء العالم.
تشكل التقنيات البنكية الحديثة اهم المراكز الأساسية لنقل الأموال وتحويلها عبر بنوك الأنترنت وبطائق الائتمان التي تساعد على تحويلها بشكل سري ومتكرر.
- بنوك الأنترنيت:
أصبحت البنوك مع التطور التكنولوجي الذي عرفه العالم تستعمل شبكة الانترنيت لتقديم مجموعة من الخدمات المصرفية الإلكترونية للزبناء لتسهيل تنفيذ العمليات المصرفية وتحويل الأموال ودفع الإلتزامات والإستفسار عن الرصيد وغيرها.
وهذه التقنيات ساعدت على القيام بعميات الإيداع والتحويل من حساب لآخر أو من بلد لآخر بهدف إضفاء الشرعية على الأموال الغير المشروعة، إضافة إلى عدم وجود آليات محددة لضبط كيفية التأكد من الخدمات المقدمة عبر الأنترنيت.
وفي هذا الصدد هناك بعض العمليات المالية وعمليات البيوع فيدخل المتعامل مع البنك عبر الإنترنيت الشفرة السرية على الكومبيوتر وعن طريقها يحول الأموال بطريقة التي يأمر بها الجهاز وهذه الطريقة تتبع تتيح تحويل كميات ضخمة من المال بسرعة وأمان، حيث إن المتعاملين فيها أشخاص مجهولي الهوية، وهذه البنوك تعمل لفترة طويلة، رلى جانب الإنتقال خارج حدود البلاد إلى جانب عدم توقفها من خلال الرسائل الإلكترونية السريعة.
- الفواتير المزورة
وتتم من خلال عمليات الإستيراد والتصدير للسلع والخدمات من بلد لآخر، فيقوم صاحب المال للقدر بشراء شركة أخرى أو إنشائها في بلد أجنبي يقوم فيه بحفظ المتحصل منها ويتم الغسل عن طريق شراء السلع من الشركة التي يراد تحويل الأموال إليها بأحد طريقين إما برقع قيمة السلعة الواردة في الفاتورة ويكون الفارق هو رأس المال المسروق، أو إرسال فواتير مزورة فيكون المال المدفوع هو المال الذي تم غسله.
وتستخدم الصفقات الوهمية أو الصورية كوسيلة من وسائل غسل الأموال من خلال استخدام الأسعار العالمية وتضخيم الأوراق الفعلية مع استخدام فواتير مزورة ويستخدم هذا الأسلوب بقيام مبيض الأموال باستيراد بضائع من دولة إلى أخرى، فتقوم هذه الأخيرة بإرسال الأموال إلى تجار تلك الدولة التي اشترى منهم البضائع بزيادة القيمة المدفوعة، فيكون الفرق المالي بين حقيقة ما تم دفعه والرقم الوارد في الفاتورة المزورة هو المبلغ المالي محل عملية غسل الأموال
- بطائق الإئتمان
تعرف بطاقة الإئتمان على أزنها بطاقة تصدر عن المؤسسة المالية وتحديدا البنوك، وتوفر لصاحبها إمكانية الحصول على المال، وغالبا يستخدم هذا النوع من البطاقات الإئتمانية في كل من عمليات البيع والحصول على تمويلات مالية قصيرة المدى، وكذلك تستعمل في التجارة الإلكترونية، يتم إصدارها عن طريق البنك وقد تشارك في عضوية إصدارها كافة البنوك على مستوى العالم تحت رعاية منظمة عالمية مثل الماستر، الفيزا .
تعد الأسباب الإجتماعية أهم الأسباب الأكثر فعالية في تصريف الأموال المراد غسلها نظرا لكونها تتسم بمجموعة من الإجراءات التي يتم الإعتماد عليها في غسل الأموال إلا أن هناك وسائل أخرى وتتمثل في مايلي :
- تقنية المنازعات القضائية الصورية:
وذلك عندما يتم النزاع بين شركتين دوليتين مختلفتين في ملك جهة واحدة، بحيث تودع الأموال المراد غسلها في الشركة التي توجد في دولة ليست عليها رقابة مالية، بينما تقوم الشركة الثانية الموجودة في دولة عليها رقابة على غسل الأموال برفع دعوى من إجل نزاع مختلف بينهما، إلى حين إنتهاء النزاع بأداء الشركة القائمة بغسل الأموال بتعويض الضرر الناتج للشركة الأخرى عن صلح أو حكم قضائي
- تقنية إبرام العقود الصورية
تعد العقود الصورية من العقود الباطلة في القانون لأنها تنعكس جوهر العقد الصحيح وتتسم بوضع وهمي في معناها يفيد إظهار الوضع الحقيقي.
وفي الإصطلاح هي توافق إرادتين على إخفاء ما اتفقا عليه سرا تحت ستار عقد ظاهر لايرضيان بحكمه.
وفي إطار جريمة غسل الأموال يتم إبرام العقد الصوري يكون فيه الثمن غير حقيقي، أي يقل بكثير من الثمن المتفق عليه في العقد، ، وبذلك يكون الفرق في الثمن هو المال المغسول .
- الأساليب التجارية
- الصفقات الوهمية :
يتم هذا الأسلوب عن طريق إنشاء إو شراء شركات وهمية في البلد الذي يجلب منه المال، وفي البلد الأخرى التي تودع فيها الأموال أأيضا حيث يشتري الغاسل سلعا أوخدمات من الشركة التي يراد ارسال الأموال إليها عن طريق عمليات صورية بأحد الصور التالية:
- رفع أسعار السلع والخدمات الواردة في الفاتورة فيكون الفرق هو المبلغ المغسول.
- إرسال فواتير مزورة كليا ويكون المبلغ الإجمالي هو المبلغ المغسول.
- تهريب العملة
يتم تهريب العملة إما عن طريق النقل المادي حيث يقوم أصحاب الأموال غير المشروعة بالعملية بأنفسهم، أو عن طريق أشخاص آخرين، ويتم النقل بواسطة وسائل النقل المختلفة إلى خارج البلاد، وقد تتم العملية عن طريق إيداع الأموال في إحدى المصارف في حساب جار قائم مسبقا، حيث يجعل من الممكن نقلها بحرية.
تتمثل المؤسسات البنكية الوسيلة القانونية الأكثر شيوعا لتمكين غاسلي الأموال بصورة شرعية من الأموال المستمدة من مصادر غير مشروعة وبذلك سنتطرق الى أهم المراحل التي تمر من جرائم غسل الأموال وذلك على الشكل التالي:
بالرجوع إلى مقتضيات التي اعتمدتها مجموعة التدخل المالي GAFI نجدها لم تحدد في البداية المراحل الثلاثة، بل اكتفت بتوصيف كل مرحلة دون اطلاق اسم عليها أو تحديدها بدقة حيث جاء فيها آن أهم مرحلة هي مرحلة التوظيف أو الإيداع والتي من خلالها يتم التخلص من السيولة النقدية المتحصل عليها من أنشطة غير قانونية، وذلك بإدخال عائدات الأنشطة غير المشروعة في النظام المالي.
وتشكل هذه المرحلة هي التي يحاول بها أصحاب الأموال القذرة التخلص من المحاصيل النقدية المتحصل عليها من النشاط الإجرامي، عن طريق إيداعها وإدراجها ضمن النظام المصرفي بصورة ذكية لا تلفت النظر، وهذه المرحلة تكون في الغالب أكثر عرضة للإنكشاف وتعني هذه المرحلة قيام أصحاب هذه الأموال المتحصلة من نشاطهم الإجرامي بإيداعها في أأحد البنوك الداخلية أو الخارجية أو شراء أسهم أو مؤسسة مالية نقدية يمكن نقلها إلى مكان آخر.
غير أن هذه الأموال الغير المشروعة تكون عرضة للإكتشاف لأنه ليس من العسير التعرف على من قام بعملية الإيداع للأموال، ومن تم علاقته بمصدر هذه الأموال، سواء كان نفس الشخص الذي حقق هذه الأموال أومن ينوب عنه في هذا المجال أومن خلال الشركات التي يمتلكها كشخصية اعتبارية.
تتم هذه المرحلة بعد دخول الأموال إلى القطاع المصرفي، وذلك من أجل فصل هذه الأموال عن نشاطاتها الأصلية غير المشروعة، من خلال مجموعة من العمليات المعقدة والمتتابعة وكل ذلك من أجل إخفاء مصادر هذه الأموال، وتتميز هذه المرحلة باعتبارها المرحلة التي يكون فيها كشف مصادر تلك الأموال أكثر صعوبة، ويكون فيها ذلك من خلال استخدام الأوراق المالية التي من السهل تحويلها كشيكات الصرف والأسهم والسندات وعمليات الدفع من خلال الحساب، وكما لها ارتباط وثيق بالطبيعة لدولية، إذ غالبا ما تجري وقائعها في بلدان متعددة وتنطوي على استخدام العديد من الأساليب المتشعبة والمتنوعة ومنها ما يلي :
- نقل الأموال بسرعة فائقة من دولة لأخرى لاسيما صوب المناطق المالية الآمنة، وذلك من خلال التحويلات البرقية أو باستخدام النظم المصرفية السرية وفروعها المنتشرة في العديد من البلدان، والتي تقدم خدماتها بقدر أكثر من السرية والسرعة، وبتكلفة أقل، ولا تخلف تحويلاتها أية آثار مستندية على خلاف الحال بالنسبة للنظم المصرفية الشرعية.
- توزيع الأموال بين استثمارات متعددة، وفي بلدان مختلفة مع إعادة بيع الأصول المشتراة ونقل الإستثمارات باستمرار، لتجنب اقتناء آثارها، من جانب السلطات المختصة.
- التواطؤ مع المصارف الوطنية والأجنبية، واستخدام بطاقات الدفع الإلكتروني المعروفة بالبطاقات الذكية smart cards والحسابات الرقمية المتغيرة.
- تسهيل حركة الأموال غير المشروعة داخل وعبر البلدان باستغلال الفواتير المزورة، وخطابات الإعتماد، ومن خلال شركة الغطاء أو الواجهة، والشركات الوهمية التابعة للمنظمات الإجرامية.
تأتي هذه المرحلة بعد مرحلتين السابقتين وهما مرحلة الإيداع والتمويه لتبدأ مرحلة الدمج، حيث يعاد ضخ الأموال التي تم غسلها في الإقتصاد مرة أخرى كأموال عادية سليمة تكتسب مظهرا قانونيا، وذلك بأن تشرك الأموال الناشئة عن الفعل الغير المشروع في مشروع تجاري آخر يعرف مشروعيته ومشرعية رأسماله بحيث يصعب الفصل بين المال المتحصل من مصدر غير مشروع والمال المتحصل من مصدر مشروع، وبالتالي يعاد ظهور الأموال الغير المشروعة التي تم غسلها مختلطة ومندمجة في النظام الشرعي وتبدؤ كأنها ناتجة عن أعمال مشروعة ونظيفة
وتعد هذه المرحلة مرحلة النتيجة، إذ هي المرحلة الأخيرة من مراحل غسل الأموال فبعدها يمكن لصاحب الأموال غير المشروعة استثمارها في أية أنشطة من مشروعة، لعل أسهلها هو القيام بالمضاربات في الأسواق المالية وشراء العقارات والديون البنكية، والمساهمة في الشركات التجارية أو شراء هذه الشركات.
ويستفيد أصحاب الأموال المغسولة من حرفية وخبرة مجموعة من الأطر، التي لها دراية وتخصص في مجال غسل الأموال، كما يقوم المحاسبون بتصريف الأمور المالية من خلال سمسار النقد أو المستشار المالي الذي يكون دوره هو تقديم المشورة بالنظر لعلاقاته بالأوساط المالية عموما والبنكية على وجه الخصوص
الفقرة الثانية: تطور ظاهرة غسيل الأموال في قانون 12-18
لقد جاء التعديل الأخير بمجموعة من المستجدات تخص هذه الوحدة، فمجملها فيما يلي:
توسيع لائحة الجرائم الأصل لجريمة غسيل الأموال، حيث ثم التزكيد مرة أخرى على اختيار نظام اللائحة بدل المنهج الحدي القائم على اعتماد كافة الجنايات والجنح كجرائم أصلية لجريمة غسيل الأموال، حيث ثم إضافة ثلاث جرائم وهي:
- جريمة نشر معلومات كاذبة أو مضللة حول الأدوات المالية وآفاق تطورها
- جريمة التحايل في سوق الأدوات المالية قصد التأثير في الأسعار
- جريمة البيع أوتقديم خدمات بشكل هرمي أو بأي طريقة أخرى
لقد تم التنصيص صراحة على إعطاء الوحدة مهمة السعر على احترام الأشخاص الخاضعين للمقتضيات القانونية المقررة بمقتضى قانون غسل الأموال وإعطائها أيضا صلاحيات جمع الوثائق والمعلومات اللازمة لأداء مهامها، وفي مجال المسؤولية المدنية أو الجنائية وكما وسع المشرع نطاق الإختصاص القضائي حيث أضاف لمحكمة الرباط ثلاث محاكم أخرى وهي الدار البيضاء وفاس ومراكش وذلك بمقتضى المادة 83 من القانون كما تم اصدار المرسوم رقم 2.21.670 المحدد لدوائر نفوذ اختصاص هذه المحاكم في قضايا غسل الأموال المؤرخ في 31 غشت 2021.
إضافة إلى ذلك ثم رفع الحدين الأدنى والأقصى للغرامة المحكوم بها على الأشخاص الذاتيين في جريمة غسل الأموال المنصوص عليها في الفصل 3/574 من القانون الجنائي وذلك بجعلها من 50000 إلى 500000 بعدما كانت محصورة في 20000 الى 100000 درهم، كذلك اعتماد مفاهيم جديدة وإعادة صياغة التعاريف المنصوص عليها في المادة 1 من قانون 43:05.
ومن بين التوجهات الإستراتيجية التي جاءت بها ما يلي:
- تحسين درجة الإلتزام الفني للقوانين والأنظمة الداخلية الجاري بها العمل في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أجل المطابقة على التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالي
- تعزيز فعالية المنظومة الوطنية بالنسبة للنتائج المباشرة الإحدى عشر المعتمدة في منهجية مجموعة العمل المالي
وكما أعطى المشرع للوحدة عدة صلاحيات منها تجميد ممتلكات الأشخاص والكيانات المنوطة في تمويل أعمال إرهابية بناء على طلب المنظمات الدولية المختصة، وجعل صلاحيات الطعن في قرارات الوحدة الصادرة في هذا الشأن للمحكمة الإدارية بالرباط.
وختاما يمكن القول بأن المشرع المغربي من خلال قانون 12:18 يتضمن مجموعة من المستجدات سواء من حيث توسييع دائرة التجريم، حيث ثم تغطية مجموعة من الجرائم لم يكن منصوصا عليها في السابق كما وسع من نطاق الأشخاص الخاضعين لهذا القانون، ليشمل بنك المغرب وشركات الوساطة ومكاتب الصرف ومجموعة من الهيئات الأخرى .
وفي مجال العقوبة أكد المشرع على الحكم بالمصادرة الكلية للأموال التي استعملت لإرتكاب الجريمة والعائدات المتحصلة من هذه الأموال، لكن رغم ذلك مازالت هناك مجموعة من التحديات مطروحة في مجال مكافحة هذه الجريمة سواء على المستوى الوطني والدولي، فرغم توقيع المغرب على مجموعة من الإتفاقيات إلا أنها تبقى منحصرة وغير كافية مالم يتم تخليق الحياة العامة وتكريس مبادئ المساءلة وحماية المال العام ومحاربة الرشوة والفساد واستغلال النفوذ من خلال التفعيل الجيد لمفهوم السلطة ومفهوم دولة الحق والقانون، لكن رغم ذلك يعتبر قانون 12:18 خطوة هامة ورؤية مستقبلية لمواجهة ظاهرة غسيل الأموال ولو بشكل نسبي، إلا أنه غير كاف في ظل انتشار وتنامي ظاهرة غسيل الأموال ، مما يحتم كليا تعديل القوانين المتعلق بزجر الفساد تماشيا مع جوهر الحق والقانون واتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة اسهاما بروح المسؤولية الملقاة علي عاتق مطبقيه .
ولذلك فإن مقتضيات القانون تظل محدودة في مكافحة غسيل الأموال في ظل غياب مبدأين أساسيين:
أولهما: تطبيق القانون على كل من ارتكب جرائم الفساد المالي
ثانيهما: اصدار قانون جديد للتصريح بالممتلكات.
ومما كان يجب على المغرب أن ينص عليه صراحة في القانون 12:18 المتعلق بمكافحة غسيل الأموال، هو عدم سقوط الدعوى العمومية بالتقادم، وعدم سقوط العقوبة بمضي المدة، وقف التنفيذ باعتبارها خروجا عن القواعد العامة المنصوص عليها في القانون الجنائي.
قائمة المراجع
رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص ماستر النظام الجمركي تحث موضوع مظاهر استفحال جريمة غسيل الأموال وطرق مكافحتها من اعداد الطالبة هاجر الرحيوي
مجلة المستقبل العربي مركز دراسات الوحدة العربية بيروث العدد 260l10l2000 حول تحديات الإتجاه نحو العولمة الاقتصادية
رسالة الماستر في القانون الخاص ماستر القانون والممارسة القضائية تحت عنوان السياسة الجنائية في جريمة غسل الأموال من اعداد الباحثة عبير الدكالي تحت اشراف الأستاذ عبد الجليل عينوسي
الشامل في جريمة غسل الأموال في ضوء قانون 2002l20 بقانون 2003l27 وطرق مكافحتها في مصر ودول العالم العربي للأستاذ السيد عبد الوهاب عرفة
عبد السلام حسان جريمة تبييض الأموال وسبل مكافحتها في الجزائر، أطروحة لنيل شهادة الدكتورة في القانون الجنائي كلية الحقوق والعلوم السياسية سطيف السنة الجامعية 2016l2015
مكافحة جريمة غسل الأموال في دولة قطر للأستاذ عبد الفتاح سليمان، دار الثقافة والنشر والتوزيع الدوحة قطر 2004
ظاهرة غسل الأموال وآثارها الاقتصادية والإجتماعية على المستوى العالمي من اعداد الأستاذ عبد الله عزت بركات جامعة الزرقاء الأهلية الأردن
جرائم غسيل الأموال، أحكامها والجهود المبذولة لمكافحتها، دراسة مقارنة بالأنظمة والإتفاقيات الدولية من اعداد الأستاذ عبد الرحمان بن مهيدب بن عبدالرحمان المهيدب عضو هيئة التدريس بكلية الملك فهد الأمنية بالرباط
المسؤولية الجنائية للبنوك عن جريمة غسيل الأموال بحث تقدم به الطالب حيدر مناحي غضبان جمهورية العراق وزارة. التعليم العالي والبحث العلمي جامعة ديالي كليق القانون والعلوم السياسية تحث اشراف الأستاذ صفاء حسن نصيف
رسالة لنيل الماجيستر في القانون العام بعنوان الوسائل الدولية في مكافحة جريمة غسل الأموال من اعداد دانة نبيل شحده النتشة تحت اشراف الدكتور عبدالسلام هماش 2018 جامعة الشرق الأوسط






تعليق واحد